محمد ابراهيم شادي
28
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
يرجع في هذا لاعتبارات أخرى كاطراد حسن تلك الألوان أو عدم اطراده مما يدخل في إعجاز التفوق ، وهذا ما عاد إليه الباقلاني في قوله : " ثم إن ما يقذف به الطبع من ضروب البديع في شعر شاعر أو نثر ناثر إنما يأتي في النادر القليل ، كالبيت البديع والقطعة الشريفة في ديوان من الشعر والفقرة من رسالة كاملة حتى يكون الشاعر ابن بيت أو بيتين ، والأديب شهير بكلمة أو كلمتين ، ولا تجد شيئا من هذا مطردا عندهم حتى نقول إنه معجز " « 1 » . لقد كان حريا بالباقلاني أن يدخل ضروب البلاغة كلها في إطار النظم المعجز بما يحمله من معان معجزة فكل استعارة وكل تشبيه وكل جناس أو طباق في القرآن ليس قائما بذاته وليس منفصلا عن سياق خاص ونظم خاص هو نظم الآية والسورة التي وردت فيها تلك الألوان ، وربما قصد إلى هذا في قوله : " وقدر المعجز في القرآن سورة طالت أو قصرت ، والعرب عاجزون عن الإتيان بمثل سورة أو بمثل آية طويلة " « 2 » . الموازنة عند الباقلاني : اتضح مما سبق أن الباقلاني كان يلح وهو يعرض وجوه الإعجاز على إثبات تميز الأسلوب القرآني وإثبات التفاوت الشديد بينه وبين أساليب الفصحاء ، فكان يذكر الوجه المعجز في القرآن ومقابله في كلام العرب ليؤكد على الفرق الكبير بينهما ، ومع أن الباقلاني استبعد كلمة الموازنة وتعامل معها بحساسية مفرطة فلقد كانت له أفكار كثيرة لا تنشأ إلا بعد موازنة وترديد نظر بين القرآن وبين الفصيح من كلام العرب ، وعندما أراد أن يثبت التفاوت الشديد بين القرآن وأفصح كلامهم استبعد كلمة موازنة واكتفى بالعرض النقدى التحليلي لقصيدة كاملة هي أفصح أشعار الجاهلية وقصيدة أخرى من أفصح أشعار الإسلامية وذلك بعد تتبع بناء سورة قرآنية وكان يدفعه لهذا عوامل منها :
--> ( 1 ) المرجع السابق 286 . ( 2 ) نفسه 286 .